كانت السماء ممطرة والظلام الحالك يسود المكان .. وإذا بصوت الجرس يقرع بشدة ..!!
طرقاتٌ قويةٌ على الباب ..!!
نبضات قلبها ازدادت ..!!
كانت كما لو أنها أحست بأن هناك شيئاً سيغير مجرى حياتها ..!!
فتحت ذلك الباب الخشبي المهُترئ فإذا بنبضات قلبها بدأت تعلو أكثر ..!!
عندما رأت أغلى صديقة لها أمامها .. وقد تغيرت تفاصيل ملامحها.. فتلك العينان المشرقتان المتفائلتان .. ذابلتان .. تدمعان ..!!
وذلك القلب المرح المُحب للحياة .. يعتصره الألم ..!!
وتلك الشفاه التي طالما ظلت مبتسمة .. أصبحت مزمومة صامتة وبها الكثير من الحديث ..!!
قادتها للداخل .. ورجوتها أن تهدئ بالها ..!!
جلست بالقرب منها لاحظت ارتباكها .. كانت تنظر تارة إلى الساعة المعلقة على الحائط .. وتارةً أخرى تلتفت إلى جهاز الهاتف ..!!
لم تتوقف عن الالتفات يميناً وشمالاً .. كلما أرادت أن تتكلم .. تبعثرت حروفها .. فخرجت منها جمله ترتجف , ولم تفهم منها شيئاً !!
فتعود وتصمت علها تستجمع بعض من شجاعتها ..!!
أخذت الإبريق وسكبت لها كأساً من الماء ومددته لها ..!!
ولكن عبثاً فلم تنتبه لمحاولاتها أن تلفت انتباهها ..!!
كانت نظراتها مثبتة تجاه الأرض ..!!
فأمسكت كفيها ووضعت كأس الماء بأحضانهما ..!!
وكانت برودة كفيها كفيلة بأن تجعل جسدها يرتجف عندما لامستهما ..!!
ابتسمت .. فتنهدت .. وبكت ..!!
دون أن تنظر إليها ..!!
طال صمتها كثيراً ومر الوقت ثقيلاً عليها .. وهي تحدق في تفاصيلها الذابلة .. كانت تفكر . فتبتسم بحزن وتتنهد فتدمع عيناها وتبكي بصمت ..!!
كل ابتسامة حزن تخرج من بين شفاهها .. تجعلها تتمنى بأنها لم تعرف الابتسامات يوماً ..!!
وكل دمعه تذرف من عيناهاتحرقها حزناً وأسى فتتألم وتبكي بحرقة .. لكن بصمت ..!!
لم تعد تشعر بثقل مرور الوقت عليها ..!!
اخيراً ..!!
نظرت لها .. وقد امتلأت عيناها بالدموع .. وهي ترتجف ... يبدو بأنها قررت التكلم .. والبوح بما كان يجول بقلبها وعقلها كل هذه المدة ...!!
-"سأظل أحبكِ.." قالها ومضى..!!( نطقت هذه الحروف بصعوبة وانخرطت في نوبة بكاء قاسية ..!!)
-مـن ..؟ يونــس ..؟
استنكرت ميساء !! لأنها كانت تعلم كم يعني هذا الرجل بالنسبة لِليلى ..!!
فـ يونس هو ماضيها وحاضرها ومستقبلها ..!!
يونسُ ذاتُ قلبـها النـابض .. يونس بهاء الروح وأنسها..!!
يونس محبوبها المدلل .. وحامل الأمنيات .. كم حلما بالغد الجميل معاً، بأطفال رائعين وأسرة . ببهجة منطلقة لا يحدها حد ولا تقف أمامها أيٌّ من صعوبات الحياة ..!!
كان وقع الصدمة كبيرا ً.. والخطب أعظم من أن تتحمله روح ليلى الذاوية .. فانهارت باكية ..!!
تعتصر الدموع .. تندب قدرها الذي أبى إلا أن يخط لها المعاناة تلو الأخرى .. ويسلب منها ليالي الوعد، وفارسهـا ..!! لملمتها ميساء في أحضانها .. وأخذت تمسح على شعرها بحنان الكون ..!! فهي أكثر من يعلم كم تتألم ليلى الآن .. وكم يكتسي قلبها حداداً .. وكم هي بحاجة لقلب آخر يحتضن قلبها المضنى ويسليه ..!!
لم تشأ أن تنكأ الجرح .. أو أن تسأل لماذا .. كيف وأيـن ..!!
فعلى الرغم من أهمية هذه الأسئلة إلا أنها لم تعد مجدية ..!!
ولن تزيد صديقتها المرهقة إلا أسىً وكمدا ..!!
بالخارج تشتد شلالات المطر في انهمارها العنيف .. السماء ما تزال ملبدةٌ بالغيوم الثقال .. الرعد قاسٍ ، والبرق يزيد الموقف رهبة .. ودموع ليلى تحاكي انهمار المطر.. بل وكأنه هو من يواسيها، ويبكي لأجلها..!! بعد وقت .. ألفت ليلى حضن ميساء .. شعرت بشيء من الأمان وغفت .. لكن هذا العزاء لم يكن لينسيها يونس الذي لم يغب عنها لحظة .. وكأنما هو روحها التي انفصلت عن جسدها وتركتها جثةً هامدة ..!!
طلعت شمس الصباح .. وقد انفرجت الغيوم عن وجه السماء ، وأشرقت الأرض بنور جميل بعد ليلة مضنيّة عاشتها الطبيعة .. عبق التراب المشبّع بماء الحياة يملأ المكان .. للمطر حين امتزاجه بالأرض وقعٌ آخر.. وفي احتضان دمع السماء للأرض موعد ولادة ..!!
أفاقت ليلى وما يزال إرهاق ليلة طويلة بادٍ على عيناها المتعبتين ..!!
استقبلها وجه ميساء وابتسامةٌ حنون .. أزاحت ميساء بيديها الناعمتين شعر ليلى المتناثر على وجهها وطبعت على خدها قبلة مودة .. وهي تتمنى لها يوماً سعيداً بعيداً عن هموم الماضي وما فات ، وتخبرها أنها أعدت لها فطورا شهيا ً، ورجتها أن تنهض ..!!
أغمضت ليلى عيناها مرة أخرى ضمت وسادةً إلى صدرها بعنف .. وهي تطلب من الله أن يهديها العزيمة ويلهمها الصبر..!!
لم تكن تفقه ليلى كنه الحياة ولونها إلا عندما مرّت بهذا .. الحب .. تجربة شعورية عميقة يتمخّض من يلجها روحاً أخرى .. ومن تمضي حياته دون أن يعيش حباً بصدق يفوته الكثير من مباهج الحياة وزخمها ..!!
فتحت ليلى عينيها ..!!
وإذا بقرعٍ عنيف على الباب ..؟؟
ارتعدت ليلى ..؟؟
صرخت : ( إنــه يونـس ..؟؟ )