الامانة عجزت ان تحملها الجبال فحملها الانسان كون الامانة مسؤولية عظمى لثقلها وعظمة شأنها، فالله سبحانه وتعالى يقول في محكم تنزيله «فليؤد الذي اؤتمن امانته وليتق الله ربه» وقال تعالى «ان الله يأمركم ان تؤدوا الامانات الى اهلها» وعلى الرغم من كل ما ذكر من تحذير وتنبيه لبني آدم عن خيانة الامانة، هذه الجريمة والذنب العظيم، فان الانسان كان ظلوما جهولا بخيانته للامانة والعهود.
المعاقون ومن فئة الداون هم امانة عند امهاتهم وآبائهم ولكن البعض منهم يخجلون من هذه الامانة والبعض منهم يهملون هذه الامانة ايضا ولا يهتمون بهم، فكيف تخون ايها الانسان شيئا ائتمنك الله سبحانه عليه، فالرسول صلى الله عليه وسلم قال «آية المنافق ثلاث: اذا حدث كذب واذا وعد اخلف واذا اؤتمن خان»،وقال عليه الصلاة والسلام «لا ايمان لمن لا امانة له ولا دين لمن لا عهد له» صدق رسول الله.. فالله سبحانه وتعالى ذكر عظم الامانة في كتابه الحكيم، ونبينا الكريم صلى الله عليه وسلم وضح عظم مسؤولية ومعنى من يتحمل هذه الامانة، فللاسف الشديد ان ما نراه من بعض الامهات وآباء المعاقين من اهمال ومن خيانة الامانة وكأنها من الامورالعادية «التافهة» التي لا تعني شيئا لمثل بعض من ائتمنهن الله على ابنائهم المعاقين، فكما ذكرت في مقدمة مقالتي ان الامانة حمل عجزت الجبال عن حمله، فكيف يا ابن آدم استطعت ان تحمل هذه الامانة.. فكل ما اقوله في مقالتي هذه لبعض امهات وآباء المعاقين ممن يخون هذه الامانة انك لم تخسر ابنك المعاق بل خسرت آخرتك قبل دنياك.
وهذه قصة لام اوصلت ابنها اول خليفة في الدولة الاموية هند بنت عتبة ام معاوية وكانت في الجاهلية من ربات الحسن والجمال والفصاحة والبلاغة والفروسية وعزة النفس وكانت شديدة العداء للاسلام ورسوله وزاد عداؤها لهما بعد مقتل ابيها وعمها وواحد من اخوتها في غزوة بدر على يد حمزة بن عبدالمطلب، وقد اقسمت ان تأخذ بثأرهم، ولهذا خرجت في عزوة احد مع زوجها ابي سفيان وكان قائد جيش المشركين ومعها 15 امرأة وعند ما التقى الجيشان قامت هند في النسوة اللاتي معها واخذن يضربن الدفوف خلف الرجال ويحرضن على القتال ثم وقفت وهؤلاء النسوة يمثلن بالشهداء من اصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، يجدعن «يقطعن» الآذان والانوف حتى اتخذت من اذان الرجال وانوفهم خلاخيل وقلائد واعطت خلاخيلها وقلائدها لعبد مقابل قتل حمزة وعندما تمكن من قتله قامت ببقر بطنه فاخرجت كبده فلاكتها فلم تستطع ان تسيغها فلفظتها فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فقال «لو اساغتها لم تمسها النار ان الله حرم على النار ان تذوق من لحم حمزة شيئا» واسلمت هند يوم فتح مكة ثم اخذت تضرب صنما لها في بيتها بالقدوم وهي تقول كنا منك في غرور.
وربت ابنها باحسن التربية وهو معاوية بن ابي سفيان اسلم هو وابوه يوم فتح مكة وشهد حنينا وكان من المؤلفة قلوبهم ثم حسن اسلامه وكان احد كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان معاوية رجلا طويلا ابيض جميلا مهيبا، وكان عمر بن الخطاب رضي الله عنه ينظر اليه فيقول هذا كسرى العرب، وعن علي بن ابي طالب رضي الله عنه، قال لا تكرهوا امرة معارية فانكم لو فقدتموه لرأيتم الرؤوس تندر عن كواحلها، وقال قبيصة بن جابر صحبت معاوية فما رأيت رجلا اثقل حلما ولا ابطأ جهلا ولا ابعد اناة منه، ولما ولي الخلافة قالت هند لمعاوية فيما كتبت به اليه: والله يا بني انه قل ان تلد حرة مثلك وان هذا الرجل قد استنهضك في هذا الامر فاعمل بطاعته، فيما احببت وكرهت، وافتتح في سنة سبع وعشرين جزيرة قبرص وسكنها المسلمون قريبا من ستين سنة في ايامه ومن بعده ولم تزل الفتوحات والجهاد قائما على ساقة في ايامه في بلاد الروم والفرنج وغيرها، واخرج ابن عساكر عن الشعبي قال دهاة العرب اربعة: معاوية وعمرو بن العاص والمغيرة بن شعبة وزياد فأما معاوية فللحلم والاناة، وعن الشعبي قال كان القضاة اربعة والدهاة اربعة فاما القضاة فعمر وعلي وابن مسعود وزيد بن ثابت، واما الدهاة فمعاوية وعمر بن العاص والمغيرة وزياد.
هذه قصة ام ربت ابنها باحسن تربية وهذه التربية اوصلته الى ان يكون خليفة على المسلمين.. اللهم اعن امهاتنا على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك.