النكاح في اللغة : يطلق على الضم، ضم الشيء بعضه إلى بعض ومنه قولهم: تناكحت الأشجار، يعني إذا التقت
أغصانها، أي تقاربت، سمي بذلك؛ لأن الزوجين ينضم بعضهما إلى بعض، ويطلق عليه أيضا الزواج؛ وذلك لأن
الإنسان إذا كان فردا يسمى وترا وفردا، فإذا انضم إليه آخر سمي زوجا، وسمي شفعا؛ فلذلك ورد بلفظ الزواج
وبلفظ النكاح.
ثم إن النكاح معلوم أنه من ضروريات هذه الحياة الدنيا، ولا يتم تواجد المخلوقات إلا به؛ فإن الله تعالى خلق من
كل زوجين، من كل جنس جعل زوجين؛ حتى يتوالد ويحصل هذا الجنس وذاك الجنس ولا ينقطع جنس عن جنسه، وكل يميل
إلى شكله، كما هو مشاهد معروف مألوف؛ يعني كما في بهيمة الأنعام، قال الله تعالى: قُلْنَا احْمِلْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ
* ( فائدة النكاح )
ولا شك أن هذا النكاح فيه فائدة عظيمة، وذلك أن الإنسان ركب الله تعالى فيه هذه الشهوة، فلا بد أنها يوجد ما
يكسرها في الجنسين، الذكر والأنثى توجد هذه الشهوة؛ فلا جرم جعلها الله تعالى فيهما حتى يحدث بينهما هذا
التقارب الذي يحصل منه أو من آثاره التوالد، فوجود النسل الذي هو من جنس هذا النوع الإنساني.
ثم فيه مع كسر الشهوة أيضا مصالح عظيمة، فإن كلا من الذكر والأنثى يتم باجتماعهما مصالح عظيمة؛ فالرجل
مثلا يعف نفسه والمرأة تعف نفسها، ثم يحصل بينهما أيضا تفاعل على تربية الأولاد، وعلى تعليمهم وتنشئتهم، ثم
أيضا يحصل أن كلا منهم يقوم بحاجة الآخر، فالزوج ينفق على امرأته، ويأتي إليها بما تحتاج إليه من النفقات
ومن الكسوة ومن الأدوات ومن الحاجيات وما أشبهها.
والزوجة تصلح بيت زوجها؛ فتصلح له الأكل وتصلح له الشراب وتصلح له اللباس، وتخدمه في بيته وفي منزله،
وتقوم بحاجاته التي يحتاج إليها؛ فبذلك تعاونا بينهما، فلا جرم جاءت تخدم فيه
* ( شــرح حــديث من استطــاع منكم الباءة )
قال أبو عبد الله حدثنا عمر بن حفص بن غياث قال: حدثنا أبي حدثنا الأعمش قال: حدثني عمارة عن عبد الرحمن بن يزيد قال: دخلت مع علقمة والأسود على عبد الله فقال عبد الله كنا مع النبي -صلى الله عليه وسلم- شبابا لا نجد شيئا فقال لنا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ( يا معشر الشباب من استطاع الباءة فليتزوج فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء )
: * يا معشر الشباب ( المعشر ) : الجماعة أو المجموعة من الناس؛ كما في قوله تعالى: يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ أي جماعتهم وجنسهم.
( الشباب ) : اسم لمن هو في مستقبل عمره، حده بعضهم إلى تمام الثلاثين، فإذا تجاوز الثلاثين، فإنه يسمى
كهلا، فمن دون الثلاثين فإنه في سن الشباب، وإذا تجاوزها فإنه كهل إلى الستين، فإذا تجاوز الستين فإنه شيخ.
فالنبي -صلى الله عليه وسلم- خاطب الشباب، ولعل السبب أنهم أقوى شهوة فى العادة، ومع ذلك فإن شهوة أحدهم
قد تحمله على النظر الحرام، أو الوطء الحرام؛ وذلك لضعف الدوافع الإيمانية، لضعف الوازع الإيماني في كثير
منهم، وعدم تمكن الإيمان من قلوبهم، وعدم تمكن قوة المخافة واستحضار العقوبة ونحوها؛ فلذلك خاطبهم، وفي
ذلك أيضا دليل على أن الإنسان عليه المبادرة في الزواج من حين يتيسر له، إذا تيسر له ذلك وكان معه شهوة
وقوة وقدرة على أن يعف نفسه، وأن يعف امرأته، وأن يقوم بحاجتها، وأن ينفق عليها، وما أشبه ذلك.
* ( الحالة التي يأثم فيها تركُ الزواج )
ذكر العلماء أن الزواج يكون واجبا يعاقب تاركه: إذا كانت له شهوة تحمله على فعل الفاحشة، وعنده قدرة مالية؛
وجب عليه إذا وجد وسائله ووجد الزوجة المناسبة له، عليه أن يتزوج، هذا { أولا } : أن تكون عنده الشهوة القوية.
{ الثاني } : أن يخاف على نفسه إذا لم يتزوج أن يقع في الحرام.
{ الثالث }: القدرة المالية يعني على المئونة وعلى التكلفة وعلى المهر ونحو ذلك.
* ( المقصود بالباءة في الحديث )
وما عبر عنه في هذا الحديث بقوله: من استطاع منكم الباءة فالأطباء ونحوهم يطلقون الباءة على الشهوة،
ولكن في هذا الحديث أطلق الباءة على المئونة؛ وذلك لأنها مشتقة من التبوء يقال: تبوأ فلان منزلا ومنه قوله:
وَلَقَدْ بَوَّأْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ مُبَوَّأَ صِدْقٍ يعني مكانا، فالباءة يعني المتبوأ، يعني من استطاع أن يجد التكلفة ويجد المهر
ويجد المسكن الذي يتبوأ فيه، ويجد أيضا المئونة ويجد الحاجيات والضروريات وما أشبهها، فهذا يعتبر قد
استطاع الباءة، ووجد معه أيضا القدرة الجنسية والشهوة، ووجد معه من القوة الشديدة التي إذا لم يفعل؛ اندفعت
نفسه إلى فعل الحرام، فهذا يجب عليه؛ لظاهر هذا الحديث، من استطاع منكم الباءة فليتزوج فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج .
وذهب بعضهم إلى أنه مستحب، وقالوا: إنه علل في هذا الحديث بقوله في بعض الروايات فى غير هذه الرواية
أنه أغض للبصر وأحصن للفرج وإذا كان معللا دل على أنه لأجل تلك الحكمة، لا أنه لأجل
الحكم، يعني لا أنه واجب، ونحن نقول: إن حفظ الفرج واجب مدح الله تعالى عليه بقوله: وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ