مسار
البرمجة العصبية: بين الشعوذة والتضليل
الدكتور فايز بن عبد الله الشهري
مثلما اجتاحت الصحف ولوحات الشوارع ومراكز التدريب التجارية انتقلت «حمى» البرمجة العصبية اللغوية والخزعبلات المصاحبة لها إلى شبكة الانترنت العربية ومواقعها بشكل يدعو لإثارة الأسئلة حول هذه التقليعة وما وراءها. وبداية لابد من التأكيد أن ليس كل ما فيها سيئا و لا بد من الإقرار - أيضا - أن ليس كل من مارس أو التحق بدورات البرمجة العصبية مشارك في هذه «الهوجة» والتضليل فهناك من دخلوها من باب الفضول، أو بحثا عن وسائل لتطوير قدراتهم الشخصية مدفوعين بإغراء المروجين لها الزاعمين بأنها الحل لكثير من مشاكل الفرد في شخصيته وعلاقاته. خاصة وأن ممارسيها يزعمون - دون سند علمي- قدرتهم على العلاج وتعليم التفكير الإبداعي وفنون الاتصال وتحسين العلاقات الزوجية و تطوير المهارات الإدارية و فنون التدريس والتعليم وغيرها.
و لا يُعلم في عصرنا الحاضر «شعوذة» ارتدت لباس العلم مثل مفاهيم «البرمجة اللغوية العصبية» ومزاعم إطلاق القدرات والعلاج بالتنويم والتغيير وفق ما يسمونه «خط الزمن». الجميل أن العلم واجه خرافات البرمجة اللغوية العصبية منذ ظهورها وتم تفنيد كثير من أطروحات مروجيها لجهة ضعف أسسها العلمية، واختلاط المفاهيم والفلسفات الروحية في بنيانها الفكري ناهيك عن أن أحد أهم مسلماتها ترى أن السلوك البشري عصبي مستند على الأحاسيس الخمس، مع تجاهل المواقف والأسباب والعواطف ودور العقل أو الأخلاق وتحييد «الأنا».
ومما يؤسف له أن اقتحم أو أُقحم في هذا المجال بعض المنتسبين للدعوة والعلم الشرعي فأعطوها بعض «الشرعية» الوهمية غافلين عن منطلقاتها الفكرية والفلسفية والعجيب أن تواكب توجهات هؤلاء «الطيبين» دعاوى عجيبة كثيرة لعل أطرفها زعم بعضهم أن تطبيق البرمجة العصبية يساعد على زيادة الخشوع في الصلاة!، بل ويقدمون ما يسمونها أفكارا إبداعية في حفظ القرآن باستعمال البرمجة اللغوية العصبية!!. وحين تنتقد بعض مفاهيمها ينبري المدافعون عنها وكأنهم يدافعون عن «مقدس» كما كان حال أتباع خزعبلات الطريقة «الداهشية» في لبنان الثلاثينات والأربعينات التي ابتكرها «مشعوذ» سرياني اسمه «سليم العشي» و تحول بفضل مريديه من مُصَلِّح دراجات هوائية مغمور إلى الدكتور «داهش يك» الملهم.
ويكفي من هذه التقليعة العجيبة النظر في طرق توظيف وتفسير مدربيها لمصطلحات «الإيحاء» و«التنويم» ناهيك عن بعض طلاسمها مثل «الإرساء» «تكديس المراسي» «تحطيم المراسي» وما رافقها من أساليب «العصر الجديد» Wave New بحيث يجد من يستسلم «لممارسيها» نفسه بين حالين إما تدمير عفوية شخصيته أو تحويله من إنسان بأحاسيس وانفعالات إلى كائن آلي مسلوب الإرادة يردد جملا لا تعبر عن حقيقته، وحينما تحاوره وتبدي رأيك في قضية ما تجد أن لديه قائمة محفوظات جاهزة ومثلها من التفسيرات (القوالب) التي لقّنه إياها المستثمرون فيه بهذه الدورات التي ينتهي مفعولها بعد أيام من إكماله للدورة.
من عجائب البرمجة العصبية أنها لا تنطلق من علم ولا يستند مدربوها في التدريب إلى بحث علمي منضبط أو نظرية علمية مستقرة كما لا يُشترط في المدرب أن يكون متخصصا في علم بذاته، إذ يكفي أن تقضي خمسة أيام في إحدى «الشقق» لتحصل على دبلومها، وان زدتها أسبوعين فستصبح ببركات مدرب عالمي «ممارسا»، وان كنت طموحا فزدها 20 يوما أخرى لتصبح «مجازا» في البرمجة العصبية في مجال الاستشارات والعلاج، أمّا لو مكثت ثلاثة أسابيع أخرى فستتمكن من مجامع المهنة مع عضوية كاملة في الاتحاد العالمي!! للبرمجة اللغوية العصبية. ويبقى السؤال عن رأي مجامع وهيئات الطب فيمن يعبث في عقول الناس ويستثمر بالشعوذة والدجل في مشكلاتهم الاجتماعية والنفسية؟
٭٭٭ مسارات٭٭٭
قال ومضى: الفرق بين العلم والشعوذة أن (العالم) يقدم البراهين أما (المشعوذ) فلا يجيد إلا صف الحجج.