الوقت ليس مناسبا للرهان على الأسهم الناجية من المعركة الكبرى
الاقتصادية
توني جاكسون - - 15/06/1429هـ
إذا كنت تقدم تشخيصاً لوضع الأسواق، كما أفعل من حين إلى آخر، فلا بد لك من ارتكاب الخطأ الغريب. في هذا العمود وقبل أربعة أشهر، قمت بشيء جيد للغاية.
كان الموضوع أن بعض القطاعات، وقد خصصت بالذكر قطاعي البنوك وشركات الإسكان، هبطت أسهمها بحدة في المرحلة المبكرة من أزمة الائتمان. لذلك طرحت هذا السؤال: هل كان ما حدث فرصة تأتي مرة كل عشر سنوات، أم أن ذلك كان الكارثة الكبرى؟
في حالة البنوك كنت أميل نحو الحالة الثانية، وكنت على حق في ذلك. لكنني ظننت أن أسهم قطاع الإسكان ربما تكون رخيصة. وبالتأكيد هبطت الأسعار أكثر من ذلك، بنسبة (في المتوسط العام دون أخذ الوزن النسبي) تقشعر لها الأبدان بلغت 45 في المائة.
ومع ذلك يظل السؤال الأصلي قائما، وإن كان هذه المرة على شكل حاد أكثر من ذي قبل. مرة أخرى، هل هي فرصة أم كارثة؟
هناك خط من التحليل يشير إلى الطبيعة الأساسية لهاتين الصناعتين. لا نستطيع الاستغناء عن البنوك، حتى البنوك الرديئة، كما اكتشفت البنوك المركزية ودفعت ثمناً كبيراً مقابل هذا الاكتشاف. وفي بريطانيا، لا تزال هناك أزمة كامنة في المساكن. فمن الذي يستطيع حل هذه المشكلة إن لم تكن شركات الإسكان العريقة؟
لكن الحقيقة القائلة إن إحدى الصناعات ضرورية لا يعني بالضرورة أنها يمكن أن تكون استثماراً جيدا. العالم بحاجة إلى شركات الطيران. لكن مستثمري المَحافظ، كما يشير التاريخ، بحاجة إلى أسهم شركات الطيران مثل حاجتهم إلى رصاصة في الرأس.
أما بالنسبة للبنوك، فلنراجع بعض الحسابات التي قامت بها نشرة "محلل المخاطر المؤسسية" Institutional Risk Analyst. إن العائد الحقيقي، بعد احتساب المخاطر، على الموجودات من أكبر 100 بنك أمريكي، كما يبدو، يمر في حالة من الهبوط منذ أوائل التسعينيات.
بإمكاننا التعامل مع أسباب ذلك في مقال آخر. لكن بالنظر إلى الاتجاه العام الكامن، يبدو من الواضح أن النمو الإجمالي في الصناعة خلال السنوات الأخيرة كان مبنياً على الرمال. وإذا كان على البنوك، وهو أمر يبدو مرجحاً الآن، أن تزيد من رأس المال الاحتياطي الذي تفرضه عليها الأجهزة الرقابية، فإن عائدها الحقيقي سيهبط حتى أكثر من ذي قبل. إن أنموذجها العملي، كما تستنج نشرة "المحلل"، هو على الأغلب ليس نشطاً بما يكفي لأية محافظ استثمارية، ناهيك عن أن تكون هذه المحافظ من الدرجة الممتازة.
وبالنسبة لأوروبا، يتوصل إيان هارنيت، من أبسوليوت ستراتيجي ريسيرتش Absolute Strategy Research، إلى نتيجة موازية تبعث على القلق. في بريطانيا، هبط الوزن النسبي لأسهم البنوك من معدل الذروة الذي كان عند 22 في المائة إلى 12 في المائة.
وفي اليابان في الفترة 1992-1993 كانت الذروة كذلك عند 22 في المائة. وفي عام 2001 انهارت لتصل إلى 6 في المائة.
مرة أخرى، وفقاً لتحليل هارنيت، الموضوع الأهم هو الأنموذج الأساسي. تتحدث البنوك المركزية الآن عن تحول نحو توازن جديد، توازن يقوم على قدر أكبر من الأنظمة الرقابية وقدر أقل من الابتكار، بدلاً من الأنموذج القديم المشتعل الذي يقوم على السيولة الرخيصة. وبطبيعة الحال أرباح البنوك ستتضرر.
ماذا عن شركات الإسكان؟ في بريطانيا، كان الوسطاء يتنافسون فيما بينهم في الفترة الأخيرة للتكوم والتجمع فوق العذاب.
تشير حسابات بنك إيه بي إن أمرو ABN Amro إلى أنه في حال هبطت أسعار المساكن بنسبة 20 في المائة، وهو أمر ليس مستحيلاً بالتأكيد، فإن أثر مفعول الاقتراض (أي نسبة القرض إلى سعر المسكن) على أسعار الأراضي سيمحق معظم صافي قيمة الموجودات لدى شركات الإسكان.
في هذه الحالة، ابحث عن القيمة المخفضة للأصول في قيود الشركات. وهذا له ميزة واحدة، وهي أن الخسائر الضريبية الناتجة عن ذلك سيكون من شأنها تأمين رديات ضريبية أنت في أمسّ الحاجة إليها من مصلحة الضرائب. لكن المخاطرة، بطبيعة الحال، هي أن تخفيض القيمة الدفترية للأصول سيخرق تعهدات وعقود البنوك.
الجواب البديهي على ذلك هو إصدار أسهم جديدة مع إعطاء أفضلية الشراء والسعر للمساهمين الأصليين. تشير حسابات بنك ميريل لينش إلى أنه حين وقع آخر انهيار لأسعار المساكن في بريطانيا في أوائل التسعينيات، خفضت شركات الإسكان صافي قيمة موجوداتها بنسبة 30 في المائة، وجمعت 105 بنسات من الأسهم مقابل كل 100 بنس جرى تخفيضها في قيمة الموجودات.
لكن إصدارات الأسهم الجديدة في بريطانيا لا تلقى حظوة لدى المستثمرين في الوقت الحاضر. كان هناك إصدار ضخم للأسهم، قامت به إحدى المؤسسات الكبرى في القروض السكنية في بريطانيا، وهي شركة إتش بي أو إس HBOS، وكان سعر السهم أحيانا في السوق في الأسبوع الماضي يقل عن السعر المعروض، وهو أمر من شأنه أن يكلف البنوك الضامنة للإصدار مليارات الجنيهات.
وبالنسبة لشركة إسكان بريطانية واحدة على الأقل، وهي شركة بارات ديفلوبمنتس Barratt Developments، فإن إصدار أسهم جديدة لن يكون له تفسير على الإطلاق. إذ يبلغ صافي الديون على الشركة 1.7 مليار جنيه استرليني. وتبلغ رسملتها السوقية نحو 300 مليون جنيه استرليني فقط. وحين تصل الأمور منتهاها من السوء، فإن هذا سيزيد من شبح استبدال قيمة الدين بالأسهم من قبل البنوك، وبالتالي أسهم المساهمين الحاليين ستذوب وتكاد تختفي من الوجود.
يجدر بنا هنا أن نلاحظ أن هذين المفهومين، إصدار الأسهم الجديدة الفاشل ومقايضة الدين بالأسهم، هما مفهومان جديدان تماماً على أولئك الذين لم يكونوا موجودين أثناء الكساد الاقتصادي الذي أصاب بريطانيا في أوائل التسعينيات. لكن الآخرين منا يتذكرون الأمثلة التي من قبيل شركة المواد الغذائية هيلزداون في الفئة الأولى، ومجموعة السياحة برنت ووكر وشركة الفنادق كوينز موت في الفئة الثانية.
لا توجد أية شركة من هذه الشركات الآن، رغم أن موجوداتها وعلاماتها التجارية لا تزال معنا. وهذا يعيدني إلى نقطتي الأولى. في أغلب الأحيان ليس الموضوع هو بقاء الشركة على قيد الحياة، وإنما القيمة بالنسبة للمساهمين.
هل هي إذن كارثة؟ بهذا المعنى الضيق، أقول إن هذا ممكن تماماً. لا شك أن هناك بنوكاً أو شركات للإسكان يستطيع المستثمر شراء أسهمها مقابل حساب ادخاره التقاعدي وينتهي به المطاف بالحصول على صفقة رابحة. لكن المهم في الأمر أن تتمكن من اختيار الشركة المربحة التي تتمكن من النجاة. في الوقت الحاضر، تتحرك الأمور على نحو من السرعة لا يدع المجال للنجاة.