"تداول غيت"..!!
* في 25 من فبراير العام الماضي بدأت رحلة انهيار سوق الأسهم، و بعده بعشرين يوماً بالكاد رأينا تحركاً رسمياً وإن كان متثاقلاً، كان مستوى التحرك على أعلى المستويات، (المجلس الاقتصادي الأعلى).
الجميع كان ينتظر الحسم، فلا خيارات، سمعة الوطن الاقتصادية على المحك، ووجب التحرك للحفاظ عليها. كبار المسؤولين الاقتصاديين هم كذلك أعضاء في المجلس، كانوا أكثر من غيرهم – بحكم عملهم – قدرة على استشراف تبعات الانهيار المستقبلية على الملايين من المواطنين، وبالتالي وجب عليهم أكثر من غيرهم نقل تلك الرؤى كما هي للمجلس.
في الوقت نفسه كان الملايين من صغار المستثمرين محاصرين داخل السوق، كانوا أشبه ما يكونوا بركاب سفينة حملوا عليها كل متاعهم من الدنيا، واجهتهم عاصفة هوجاء في عرض البحر، لتبدأ سفينتهم بالغرق رويداً رويداً. الوقت يداهمهم وقوارب النجاة نفذت بعدما ظفر بها علية القوم وذوي الحيلة، ولم يعد في يد الأغلبية سوى الصبر. مأساتهم ليست ببعيدة عن مأساة الباخرة الأسطورة "التايتنك".!!
في 14 من مارس انعقد المجلس والهبوط العمودي لمؤشر السوق مازال مستمراً، والنسب الدنيا للشركات تتوالى. خصصت تلك الجلسة لمناقشة انهيار الأسهم، وخرجت بالتأكيد على متانة وقوة الاقتصاد، وتجديد ثقة المجلس في الشركات الوطنية وجدوى الاستثمار فيها.
عندها تعززت الثقة نوعاً ما، كون هذا التصريح يخرج من أعلى هيئة اقتصادية في البلاد، لم تكن تتحدث من فراغ، لكن الأمور مازالت مُنذاك اليوم تزداد سوءاً، ترى ما السبب ؟؟
من يتأمل الوقائع ويربطها ببعضها يجد معطيات أفرزتها تداعيات 25 فبراير 2006م، فالتهيئة كانت قبل هذا التاريخ بدلالة خروج معظم – إن لم يكن كل – المتنفذين وأصحاب المعلومة من السوق قبل الضربة القاصمة، وحتى لايكون الخروج مثار ريبة وشك، وجب بث روح الاطمئنان بين الصغار والتأكيد هنا وهناك، بمناسبة ودون مناسبة، من أن السوق يستمد قوته من الاقتصاد، وأن الاقتصاد يبلغ أقصى درجات متانته، والتشديد بأن الأذرعة الاستثمارية لن تسمح بحدوث أي انهيار، بل ستدعمه عند أي طارئ. بعدها بأيام حدثت الفاجعة، واتضح أن تلك التصاريح لم تكن سوى حقنة تخدير في العضل!!
وحتى وبعد أن أخذ الانهيار من السوق مأخذه، كان إصرار أباطرة المال على أن ما يحدث ما هو إلا عملية تصحيحية سرعان ما يعود السوق أقوى مما كان عليه.!!
من خلال رؤية صورة الانهيار بأبعادها الحقيقية يتضح أن هناك من غرر بتلك الملايين التي سحقها الانهيار، ومنهم كبار المسؤولين الاقتصاديين، عندما قطعوا الوعود وجزموا بعدم قابلية السوق للانهيار لأسباب ساقوها ضمن رؤيتهم التبشيرية للسوق.
في مقارنة عاجلة لأوضاع السوق الآن وإبان بداية الانهيار نجد أن المؤشر العام كان شاهد عيان لأحداث السوق خلال عمر الانهيار الستة عشر شهراً.فقد خسر نحو 14الف نقطة.
الشركات لم تكن في مستوى الثقة بها، فرؤوس أموال العديد منها تآكل، وأدى باثنتين منها إلى الإيقاف. العديد من الشركات تحولت من الربحية إلى الخسارة والأخرى كانت نتائجها متواضعة بعد أن اتضح أن أرباحها السابقة لم تكن تشغيلية إنما هي نتائج مضاربات في سوق الأسهم من قبل مجالس إداراتها، حتى البنوك التي كان يفاخر بها رجالات مؤسسة النقد (ساما) خيبت ظنهم واتضح أنها ليس بمنأى عن مستنقع الشركات الأخرى المدرجة، فهبطت أرباحها بشكل لا مثيل وصل ببعضها إلى 50% هذا التداعي في نتائج أعمالها الفصلية يوضح مدى التجاوزات التي كانت تقترفها ضد عملائها من تسهيلات وقروض بفوائد فاحشة برعاية ومباركة من (ساما) ذاتها. باختصار المزيد من المتردية والنطيحة!!
حتى الهيئة لم تعد كما هو المفترض حكما عادلاً ومشرعاً حكيماً، فقد أرادت بتحويل السوق إلى مختبر تجارب لقراراتها الارتجالية. كان تطبيق الأنظمة واللوائح جزئياً وبشكل انتقائي، الكيل بمكيالين للشركات بحسب قوة ونفوذ إداراتها كان السمة الطاغية، فساد بين أروقتها بدلالة تسريب الأخبار والإعلانات قبل صدروها.رسمياً. أخذت من جملة "زيادة عمق السوق" شماعة لتمرير وإدراج المتردية والنطيحة في سوق الأسهم والتي لم تضف إلى السوق شيئاً. بل على العكس فقد زادته هوناً وضعفاً عن سابقه، وكانت نتيجته انهيارات متتالية كما نرى. حقيقةُ كانوا عبارة عن هواة يتلاعبون بأرزاق الناس، ولم يكن هناك احترافية في إداراتهم للسوق.
بعد عام ونصف ظهرت الآثار الجانبية للانهيار، قروض على كاهل المواطن لسنوات عديدة، ضعف القوة الشرائية، ازدياد هوة الفقر، حالات انتحار وأمراض نفسية ومشاكل أسرية، ديون وسجون وصكوك إعسار بالجملة، تفشي للجريمة وأساليب نصب واحتيال متعدد. القادم أشد وطأة إن لم تستدرك الأمور!!
ما حدث في السوق المالية السعودية منذ 25 فبراير 2006 م وحتى يومنا هو فضيحة بكل المعايير، فضحية اقتصادية وأخلاقية وإنسانية، جعلت من واجهتنا الاقتصادية مثالاً يضرب به في الفساد والمحسوبية، وحُق لها التسمية.."تداول غيت"..!!